الدكتورة / أميمة بنت أحمد شاهين أن الأساس الأول في الديانة المسيحية هو عقيدة الخلاص ، فالمسيح المخلص نزل من السماء وصلب ومات ليخلص المؤمنين من وزر الخطيئة الأولى ، التي تحملتها البشرية قرونا طويلة ، فالابتلاء في عرف المسيحية ليس إلا نتيجة للعنة الخطيئة التي أوقعها الإله على آدم وذريته بعد السقوط ، وقد أشار إلى ذلك معجم اللاهوت الكاثوليكي فذكر أن سبب العذاب والألم والموت هو الخطيئة عينها ـ أي الخطيئة الأصلية ـ (مادة الخطيئة الأصلية .) وهذا يعني أن موت المسيح كان لرفع هذه اللعنة ، كما أشار القس إلياس مقار إلى هذه المسألة فقال : موت المسيح كان كفارة وفداء عن العقوبة التي وقعت على الجنس البشري كله بسقوط نائبه الأول _ ( إيماني ص 398 .) ورغبة منه في توضيح غاية الخلاص قال إنها ليست هي رفع الخطية كعقوبة فحسب ، بل أكثر من ذلك التحرر منها كعادة وسرطان ومرض . ( القس إلياس مقار ، إيماني ، ص 410 . راجع أيضاً: شهاب الدين أحمد بن إدريس المالكي القرافي ، الأجوبة الفاخرة ص 109. وعبد المجيد الشرفي ، الفكر الإسلامي في الرد على النصارى _ إلى نهاية القرن الرابع / العاشر ، ص 399 ـ400 ) واعتماداً على هذه العقيدة فإن المؤمن المسيحي يتحول بعد الفداء إلى حالة النقاء التي خلق عليها الإنسان الأول قبل السقوط خال من الخطيئة ولعنتها ، سعيداً كما كان قبلها . غير أننا لو تناولنا هذا الأمر من منظور واقعي فسنجد أن الحياة المسيحية لم تتغير ، فما زالت كما عرفها التاريخ تشوبها المكارة ويعتريها الشقاء والمؤمن المسيحي ما زال مثقلاً بالمصائب يشقي ويتعب ، والشرور لم تزل تحيط بمجتمعات ترفع الصليب فوق رؤوسها . وقد أثار هذا التناقض بين الواقع الذي يعيشه الفرد المسيحي ، والعقيدة التي آمنوا بها ، سؤالاً مهماً هو ، لم إذاً صلب المسيح ومات ، ما دام ذلك لم يغير معالم الواقع المر ؟ وأين الخلاص الذي وعدوا به ؟ ولم يكن مصدر هذا السؤال استنتاجاً بني على الظن ، فقد اعترف بوجوده كثير من علماء الديانة المسيحية ، ومنهم القس إلياس مقار ، الذي حاول في كتابه (إيماني) تفسير ما يتضمنه من تناقض ، قائلا : ولكن السؤال ما يزال يتابعنا ، إذ بأي معنى يخلص المسيح من الخطيئة ؟ ومن الواضح إذا كان مخلصاً حقاً ، فلا بد أن يخلص إلى التمام من جميع ما تطبعه أو تتركه الخطيئة في حياة الإنسان وفي لغة أخرى لا بد أن يتمم . ( ص 385 ) وأمام تلك التناقضات إنقسم المؤمنون بالمسيح إلى قسمين : قسم حاول تطبيق تعاليم المسيح المثالية اعتقاداً منهم أنهم نالوا الخلاص بإيمانهم به ، منتظرين تغيير حالهم تحقيقاً لوعد قدم لهم من رجال الكنيسة ، ليفاجئوا بأن الشقاء ما زال ملازماً لهم والمصائب تزورهم بين الحين والآخر ، الأمر الذي أصابهم بخيبة مريرة دفعتهم للابتعاد عن الكنيسة ورجالها ، رافضين سلطانها وتعاليمها ، فقد أثبتت التجربة الواقعية فساد أقوال رجالها وتعاليمهم . وقسم آخر أتبع هواه مرتكباً المخازي غير آبه بالفضائل الأخلاقية التي نادت بها الأديان السماوية ، إعتماداً منه على الخلاص الذي وعد به من قبل الكنيسة فبإيمانه يخلص لا بالأعمال ، فالفاسق والصالح سواء بإيمانهما بالمسيح الفادي ، وهكذا ابتعد هذا القسم عن الكنيسة ، فما الداعي للإرتباط بها وتنفيذ تعاليمها ما دام المسيحي قد نال الخلاص بإيمانه القلبي لا بالأعمال . وعن الإعتقاد بهذا الخلاص ، تحدث بولس في رسالته إلى أهل رومية بقوله : ( بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون. لأنه لا فرق . إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله . متبررين مجاناً بنعمه بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السلفة بإمهال الله لإظهار بره في الزمان الحاضر ليكون باراً ويبرر من هو من الإيمان بيسوع . فأين الافتخار . قد إنتفى بأي ناموس . أبناموس الأعمال . كلا . بل بناموس الإيمان . إذا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس ) رسالة بولس إلى أهل رومية ، الإصحاح الثالث : 22 ـ 28 . كما ورد في السفر نفسه في الإصلاح الخامس منه أنه قال : ( لأنه أن كان بخطيئة واحد مات الكثيرون فبالأولى كثيراً نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد إزدادت للكثيرين . وليس كما بواحد قد أخطأ هكذا العطية . لأن الحكم من واحد للدينونة . وأما الهبة فمن جرى خطايا كثيرة للتبرير . لأنه أن كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد فبالأولى كثيرا الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح . فإذا كما بخطيئة واحدة صار الحكم إلى جميع الناس لتبرير الحياة . لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا أيضا بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبراراً .) الرسالة نفسها ، الفقرات : 15 ـ 19 . ولمعالجة هذا الانقسام الذي سبب حرجاً لرجال الكنيسة ، حاول بعض الباحثين المسيحيين التفرقة بين الخطيئة الأصلية التي انتقلت للبشر من آدم والخطيئة الفعلية التي تصدر عن الإنسان بذاته هو. أما كيف يمكن أن يرتكب المؤمن الخطايا وهو الذي تطهر من الخطيئة الأولى ولعنتها ليصبح كما كان عليه الإنسان الأول قبل السقوط نقياً خاليا من أي فساد . فقد حاول تفسيره أحد رجال الدين المسيحي فقال : الإنسان لا يرث من أبويه مجيئه إلى العالم بما يحفل به هذا المجيء من شقاء أو ضيق أو ألم أو تعاسة أو شدة قد يلاقيها في هذه الأرض ، بل يرث أكثر من ذلك مركز أبويه القانوني أمام الله … ـ الخطيئة الأصلية ـ التي تلاحق مولود كل امرأة بنص الكتاب والواقع ، فالكتاب يفيد بأن الجنس البشري ورث الأبوين الأوليين في سقوطهما في الجرم وفساد الطبيعة ، ألم يقل داود في ذلك : ( هاأنذا بالآثم صورت وبالخطيئة حبلت بي أمي ) ( مزامير 5 ) وقال بولس ( من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا إجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع ) ( رو 12:5) والواقع يشهد بذلك تماما لأن آدم وحواء إما أنهما كانا في سقوطهما نائبين عن الجنس البشري . أو أن هذا السقوط كان قاصراً عليهما دون أن يمتد إلى أولادهما ، فإذا كان الأمر الأخير فمعنى ذلك أننا نولد أبرياء في استقلال تام عن كل نزعة أو ميل أو انحراف إلى الشر أو الفساد أو الخطية ،… وهذا ما لا يستطاع التسليم به على وجه الإطلاق !!.. فإذا أمكن التسليم بالطبيعة البشرية الفاسدة من واقع الإختبار الملموس في حياة الناس ، فإن النتيجة تنتهي بنا بالدليل العكسي إلى قبول السبب والتسليم بحقيقة الوراثة الآتية إلينا من الأبوين الأولين ، فإذا أضيف إلى هذا أننا خطاة ومدينون ليس على أساس الخطية الأصلية فحسب ، بل على أساس ما ترتكب من خطايا فعلية مستمرة دائمة أمام الله أضحى مركز كل بشري مركز المدين أمام الله بدين الخطية الأصلي والفعلي معاً ... لقد خلق الله الإنسان وربطه بطبيعته تعالى ونظامه وناموسه الأدبي ،وكل خروج على هذه الطبيعة وحكمها الأدبي وعدالتها وحقها وقداستها لا بد أن ينال الجزاء ، والإنسان بهذا المعنى مدين من هامة رأسه إلى أخمص القدم ، وفي حاجة إلى الخلاص من دين الطبيعة . (القس إلياس مقار ، إيماني ، ص 385 ـ 387.) وهكذا أصبح المؤمن المسيحي في وضع لا يحسد عليه ، فما كاد يفرح بالخلاص المزعوم حتى اعتراه الأسى ، فقد وقع بما خلص منه ، فها هي ذي خطاياه تضيق خناقها عليه بسلاسل الشقاء والألم والحزن . وهذا ما أرادت الكنيسة أن يحدث ، فهي تريده مهزوماً ضعيفاً لاجئا إليها يبحث عن النجاة ، والإجابة عن هذه القضايا التي عجز العقل عن فهمها ، فكيف يحمل وزر خطيئة أبويه وخطيئته الشخصية ، في حين يحمل أبواه وزر خطيئتهما فقط ، وإذا كان العدل تحقق بصلب المسيح فداء من الخطيئة الأولى وميراثها ، فهذا الفداء نعمة لآدم وحواء الذين نجوا بالفداء من خطيئتهما ، وأصبحا نقيين من الدنس كحالتهما الأولى قبل السقوط ، أما إبن آدم فبعد الفداء من الخطيئة الأصلية ،ما زالت عليها الخطايا الفعلية التي صدرت منه نتيجة ميراث فساد الطبيعة الذي أنتقل إليه من أصله الأول . فما السبيل للنجاة من هذه الخطايا إذا كانت التوبة والأعمال لا تؤدي إليها . ولقد عمدت الكنيسة عند رؤية أتباعها وهم على هذه الحالة من الإضطراب ، أن تصدرت عقولهم مقررة أن مفتاح النجاة بأيدي رجالها ، فهي التي بإمكانها غفران هذه الخطايا الفردية أو جزء منها مقابل الاعتراف وأداء التعويض الذي يقرره رجل الدين . ولتطفي على ذلك ثوب الشرعية أصدرت قانونا بمنح هذه الصلاحية لرجل الدين ، وهو الصادر عن المجمع الثاني عشر المنعقد في روما عام 1215 م . ( راجع : متولي يوسف شلبي ، أضواء على المسيحية ص 115 . راجع أيضا الدكتور : رؤوف شلبي ، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ص 247 . ) فقد كان من أهم قرارات هذا المجمع ما نصه : (( الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء )) ، ( المرجع نفسه ) ولكن رجال الكنيسة ، وعلى رأسهم البابا الرئيس الأعلى للكنيسة كلها حسب التعليم الكاثوليكي (معجم اللاهوت الكاثوليكي ، مادة البابا ) من ذرية آدم فإذا غفرت خطيئتهم الأصلية بالفداء كما يقرر دينهم ، فما زالت خطاياهم الشخصية تلاحقهم أينما ذهبوا ، فكيف يتسنى لمخطئ تبرئة مخطئ ؟ وكيف يمنح الغفران من هو في حاجة إليه ؟ راجع : كتاب المباحث في اعتقادات بعض الكنائس ، ص 56 ـ 63 . ولتفادي هذا الاحتجاج الذي ترتفع به أصوات الكثيرين ، أصدروا قراراً آخر يفيد عصمة البابا ، وهو القرار الصادر عن المجمع العشرين المنعقد في روما عام 1869 م . ( راجع : متولي يوسف شلبي ، أضواء على المسيحية ، ص 116 . راجع أيضا الدكتور رؤوف شلبي ، المسيحية الرابعة ، ص 149 . وشريف محمد هاشم ، الإسلام والمسيحية في الميزان ص 440 ) وهكذا أصبحت قرارات الكنيسة قرارات تتسم بالعصمة من الضلال فرأسها البابا معصوم ، وعصمته تلك تنتقل بالتالي لقراراته . ولكن ما هي العصمة وما حدودها ؟ فقد تكفل معجم اللاهوت الكاثوليكي ببيان المراد منها فقال : تعني هذه الكلمة أن تعليم الكنيسة عندما يعرض عقيدة إيمانية بصورة نهائية وموجبة ، هو معصوم بالنعمة من كل ضلال .. وبما أن الكنيسة هي وجود تاريخي في يسوع المسيح لإرادة النعمة الإلهية وبالتالي ، في الحقيقة والمحبة ، للخلاص النهائي الذي لا يناهضه شيء في هذه الحياة ، فإنه من الواجب أن تعصم بمجملها بقوة نعمة الله (وليس بقوة أعضائها البشرية) لكي لا تنحط عن الحقيقة الإلهية . ( معجم اللاهوت الكاثوليكي ، مادة العصمة .) أما من أين إستمدت الكنيسة هذا الوجود التاريخي في يسوع المسيح ، فيشير إليه القس إلياس مقار ، إذ يقول : إن للكنيسة سلطان لا شبهة فيه ، وهي تستمد هذا السلطان من وعد المسيح وأمره إذ قال لبطرس : ( وأعطيك مفتاح ملكوت السموات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات ) (مت 16 ـ 19 ) على أن المسيح وهو يعطي هذا السلطان لبطرس لم يعطه إياه كفرد ، بل كتلميذ المعترف والمؤمن بلاهوت المسيح عندما قال : ( أنت هو المسيح أبن الله ) وقد أكد المسيح هذا بما لا يدع مجالاً للبس ، إذ بين أن هذا سلطان الكنيسة كلها : (وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة وأن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء وكل تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء ) (مت 18: 17و18) . وقد تأيد هذا السلطان بأمر المسيح قبل الصعود عندما قال : ( دفع إلى كل سلطان في السماء وعلى الأرض ، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والإبن والروح القدس ) (مت 28 : 18 و19 ) وهذا حق لأن الكنيسة كمنظمة على الأرض ينبغي أن يكون لها سلطان يقرر وينظم ويدعم كيانها ورسالتها وأعمالها … ( إيماني ، ص 479 . راجع أيضا : معجم اللاهوت الكاثوليكي ، مادة الكنيسة .) وهكذا أرست الكنيسة سلطانها في نفوس أتباعها بنصوص من الأناجيل ، وبقرارات مجمعية ، لتتحول بعد ذلك لكيفية استثمار هذه السلطة فأصدرت ما أسمته بالوصايا الخمس ، وجعلت تطبيقها ملزما لكل مسيحي بعد التعميد وبلوغه السابعة من العمر والذي يهمنا هنا من تلك الوصايا ، الوصية الرابعة فقد جاء فيها : الإعتراف السنوي ( إذا كانت هناك خطايا مميتة ). كما تكفل معجم اللاهوت الكاثوليكي ببيان ماهية هذا الإعتراف تحت مسمى سر التوبة ، مبيناً أنه يكون سراً بين الكاهن والخاطئ الذي يعترف بذنبه، مضيفا أنه : بواسطة هذا السر يبعد الهلاك عن الإنسان ويمحي الفعل الذي به سلم الخاطئ لسلطان الشيطان ... إن الندامة الباطنية التي أساسها الإيمان هي شرط مسبق ضروري لتتميم السر بصورة صحيحة وفعالة ... أن الاعتراف يجب أن يعم الخطايا الثقيلة كلها التي بعد فحص ضمير جدي يتعرف الإنسان إلى مسئوليته شخصياً في ارتكابها ويقر بذنبه . على هذه الخطايا وحدها يدور الاعتراف وأيضا على جنس الخطايا وعددها مع ما هناك أيضا من خطايا نسيت في إعتراف سابق ... أن الاعتراف تغطيه السرية التي تنبع من طبيعة السر ... ومنذ المجمع اللاثرانبي الرابع هناك واجب ، فرضته الكنيسة . واجب جذري بالاعتراف بصورة صحيحة مرة في السنة إذا ما تعرفنا إلى خطايانا الثقيلة وذنوبنا ... أن السلطان المعطي للكاهن يتضمن الحق والواجب بأن يفرض على التائب ـ حسب فطنته الروحية ـ تعويضا يوازي بشكل ما ثقل الخطيئة ومعطيات التائب الروحية ... وأن أساس فرض هذه التوبة هو في أن غفران هذه الخطيئة المرتكبة بعد العماد لا يمحو ضرورة كل نتائج الخطيئة وعقوبتها ، بل عكس ذلك أن الإنسان بواسطة عقوبات الخطيئة التي لا بد منها والتي يتحملها بصبر وبواسطة نظام التوبة التي يقبلها بإرادته أو التي تفرض عليه ، يعني جدية العدل الإلهي وثقل الخطيئة ويدخل في أعماق مشاركة المسيح في آلامه … إن خادم سر التوبة هو الكاهن الذي ، لكي يعمل بصورة صحيحة بالسلطان السري المعطي له لغفران الخطايا . ( مادة سر التوبة ) ويتضح لنا من النص إن إعتراف المؤمن وتوبته في قانون الكنيسة ليسا كافيين للخلاص من الخطيئة الفردية ، فلا بد من تعويض يوازي خطيئته يفرضه الكاهن عليه اعتماداً على فطنته الروحية في تحديده . وللتعويض أهمية كبرى في الديانة المسيحية ـ فقد قرر علماؤها أن : التعويض السري في سر التوبة هو جزء من هذا السر … ومن المهم أن يتم هذا التعويض السري بضمير ووعي ، كتعويض لما هدمته الخطيئة في الإنسان كتعويض مثلا لحب مجروح . لضرر أرتكب لصيت ثلب .. الخ .. فإذا لم نتمم التعويض السري بعد أن نكون قد أكدنا إرادتنا كلياً للتعويض يظل السر صحيحا إنما يجب أن نقوم بذلك التعويض متحملين نتائج الحقيقة الأليمة . ( معجم اللاهوت الكاثوليكي ، مادة التعويض) أما لو امتنع المسيحي عن أداء التعويض الذي فرض عليه من قبل الكاهن ، فسيكون مصيره دخول المطهر بعد الموت مباشرة كمرحلة تطهيرية قبل يوم الدينونة ، هذا ما ذكره معجم اللاهوت الكاثوليكي بقوله : الإنسان يخضع لهذه المرحلة التطهيرية إذ يموت مبررا بالنعمة بمقدار ما تكون حالة العقاب (المستحق) لا تزال موجودة فيه ولم تزول بزوال الخطايا بالغفران يوم التبرير ، وبمقدار ما بالإمكان أن تزيل هذه الحالة عقوبات تعويضه . أما عن طبيعة هذه المراحل الصحيحة وعن مكان هذه العقوبات فليس لنا في الكتاب المقدس أي دليل … لا يجب أن تمنعنا كلمة المطهر من أن نجد كلمة أصح وأحسن لندل على هذه المراحل التي نوهنا عنها … التي تعني حرفيا النار المطهرة (مادة المطهر) وهكذا استطاعت الكنيسة إرساء سلطانها على أتباعها، فلا بد لهم من طاعتها طاعة تامة ، فهي مؤسسة بأمر المسيح معصومة الرأس وقراراتها إلزامية ، مما أهلها لغفران خطايا رعاياها بحسب ما ترى ، وعلى المؤمن المسيحي إن أراد الخلاص من خطاياه الشخصية التقدم إلها مرة كل عام على الأقل ليعترف ويتلقى أمرها بتنفيذ التعويض . وكأني بها تريد من كل فرد من أتباعها أن يدفع ضريبة للكنيسة لتتمكن من إدارة شئونها وتوسعة سلطانها وسيطرتها على أتباعها ، إلا أن مطامع رجالها لم تزل تتزايد وتتسع ، فأصدروا صكوك الغفران التي عادت عليهم بمزيد من الأرباح (2).( راجع لأبن محمد عبد الله الترجماني الميروقي ، تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب ، دراسة وتعليق عمر وفيق الداعوق ، ص 169 ـ 171 . ونورمان كانتور ، العصور الوسطى الباكرة ـ القرن الثالث / التاسع الميلادي ترجمة وتعليق الدكتور هاشم عبده هاشم ، ص 143 ـ 145 ، والدكتور قاسم عبده قاسم ، ماهية الحروب الصليبية ، ص 33 .) ولقد نقل ويل ديورانت عن أحد المعارضين ـ وهو كاثوليكي ـ المساوئ التي نتجت عن فرض صكوك الغفران فقال : إن المساوئ ذات الصلة بصكوك الغفران تنشأ كلها تقريباً من سبب واحد وهو أن المؤمنين بعد أن يشهدوا مراسم التفكير وهي الشرط المقرر المعترف به لنيل المغفرة ، يتطلب أن يقدموا من المال ما يتناسب مع ثرائهم وبذلك أصبح المال الذي يؤدي للأعمال الخيرية وهو الذي يجب أن يكون من للأعمال الخيرية وهو الذي يجب أن يكون من الأعمال النافلة التي لا يلزم بها إنسان ، أصبح هذا المال في بعض الحالات هو الشرط الأساسي لغفران الذنوب .. وكثيرا ما أصبح المال لا العمل الصالح هو الغاية المقصودة من الغفران ولسنا ننكر أن العبارات التي صيغت فيها قرارات البابوية يخيل إلى الإنسان معها أنها لا تحيد مطلقا عن عقائد الكنيسة وأن الاعتراف والندم والأعمال الصالحة المنصوص عليها في هذه العقائد هي الشرط الأساسي لنيل المغفرة ، إلا أن الجانب المالي كان يبدوا واضحاُ في جميع الأحوال وكان للهبات المالية المقام الأول في هذا الأمر كله مما يسربل الكنيسة بالعار ويجعلها مضغة في الأفواه . اتخذت صكوك الغفران شيئاً فشيئاً صورة الصفقات المالية ، وأدى هذا إلى الكثير من النزاع بين السلطات الزمنية التي كانت تتطلب على الدوام حظها من هذه الموارد . ولا يقل عن بيع صكوك الغفران دلالة على حب الكنيسة للمال قبولها أو طلبها المال أو الهبات أو الوصايا نظير تلاوة الأدعية والصلوات التي يقولون أنها تقصر المدة التي تقضيها روح الميت في المطهر لتعاقب عن ذنوبها وكان الصالحون الأتقياء من الناس يخصصون من أموالهم جزءاً كبيراً لهذا الغرض لتنجو به روح قريب لهم أو ميت فارق الحياة الدنيا أو ليقصروا المدة هم أنفسهم في المطهر بعد موتهم أو يلغوها إلغاءاً تاما . ولهذا أخذ الفقراء يشكون من أن عجزهم عن أداء الأموال نظير الأدعية والصلوات أو لابتياع صكوك الغفران يجعل الأغنياء على الأرض لا الوادعين هم الذين يرثون ملكوت السموات ، ولقد كان كوليس حصيفاً حين أمتدح المال لأن (من يمتلك المال يستطيع نقل الأرواح إلى الجنة ). (ويل ديورانت ، قصة الحضارة ، ترجمة الدكتور عبد الحميد يونس ، م6 ، ج1 ، ص 51 ، 52 ) . _________________________________________ من كتاب : الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام . الناشر : دار زهراء الشرق - القاهرة
|