|
أدلة النصارى النصية
على ألوهية المسيح
|
د: منقذ السقار
تؤمن الفرق
النصرانية- رغم اختلافها في طبيعة المسيح - تؤمن بأن المسيح إله متجسد، وتؤيد
دعواها بعشرات النصوص التي وردت في العهد الجديد أو القديم، وتتحدث عن إلهيته، منها
النصوص التي سمته رباً وإلهاً أو ابناً لله، ومنها النصوص التي أفادت أن فيه حلولاً
إلهياً، ومنها النصوص التي أضافت خلق المخلوقات إليه ثم ما ظهر على يديه من معجزات
إلهية كتنبئه بالغيب وإحيائه الموتى…
- ملاحظات عامة
:
وتفحص
المحققون أدلة النصارى وسجلوا ملاحظات هامة في هذا الباب:-
- أنه لا يوجد نص واحد في الكتاب المقدس يصرح فيه المسيح بألوهيته أو يطلب من الناس
عبادته، وفي هذا الصدد يتحدى ديدات كبير قساوسة السويد قائلاً: "أضع رأسي تحت مقصلة
لو أطلعتموني على نص واحد قال فيه عيسى عن نفسه: أنا إله. أو قال: اعبدوني".
القس فندر فيقول في كتابه"مفتاح الأسرار" مبرراً عدم تصريح المسيح بألوهيته في
العهد الجديد:"ما كان أحد يقدر على فهم هذه العلاقة والوحدانية قبل قيامه
وعروجه…فلو قال صراحة لفهموا أنه إله بحسب الجسم الإنساني…إن كبار ملة اليهود
أرادوا أن يأخذوه ويرجموه، والحال أنه ما كان بين ألوهيته بين أيديهم إلا عن طريق
الألغاز".
والخوف من اليهود لا يقبل نسبته للإله أو حتى للمسيح الذي رأيناه يواجه اليهود
مرراً فيقول: "الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون
المراءون…أيها العميان…لأنكم تشبهون القبور المكلسة، أيها الحيات والأفاعي كيف
تهربون من دينونة جهنم" (متى 23/13-34)،
فكيف له بعد ذلك أن يغمض على البشرية في إظهار حقيقته، ففي ذلك إضلال وتلبيس.
- ثم إن أقوى ما يتعلق به النصارى من الدليل لا يوجد إلا في إنجيل يوحنا ورسائل
بولس، بينما تخلو الأناجيل الثلاثة من دليل واضح ينهض في إثبات ألوهية المسيح.
بل إن خلو هذه الأناجيل عن الدليل هو الذي دفع يوحنا – أو كاتب يوحنا - لكتابة
إنجيل عن لاهوت المسيح، فكتب ما لم يكتبه الآخرون، وجاءت كتابته مشبعة بالغموض
والفلسفة الغريبة عن بيئة المسيح البسيطة التي صحبه بها العوام من أتباعه.
- إن عدم الدليل الصحيح جعل النصارى يحرفون في طبعات الأناجيل، ومن ذلك إضافتهم نص
التثليث الصريح الوحيد في
(يوحنا (1) 5/7) ومثله في
قول بولس "الله ظهر في
الجسد" (تيموثاوس(1)3/16)
فالفقرة كما قال المحقق كريسباخ: محرفة، إذ ليس في الأصل كلمة "الله" بل ضمير
الغائب "هو"، ومن الممكن أن يعود على الله أو على غيره.
و مثله جاء في التراجم القديمة "عظيم هو سر التقوى الذي ظهر في
الجسد " فأحالته الترجمات الحديثة إلى دليل
على الحلول فقالوا:
"عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد" (تيموثاوس(1)3/16).
1- نصوص نسبت إلى المسيح
الألوهية والربوبية :
ويستمسك
النصارى بالألفاظ التي أطلقت على المسيح لفظ الألوهية والربوبية، ويرونها دالة على
ألوهية المسيح، وفي أولها أنه سمي يسوع، وهي كلمة عبرانية معناها: يهوه خلاص.
ومن ذلك ما اعتبروه نبوءة عنه في إشعيا " لأنه يولد لنا ولد،
ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً
أبدياً رئيس السلام، لنمو رياسته وللسلام، لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته،
ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد." (إشعيا9/6).
كذا في
قول داود:
"قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. يرسل الرب قضيب عزك
من صهيون. تسلط في وسط أعدائك. شعبك منتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة من رحم الفجر
لك طل حداثتك، أقسم الرب ولن يندم. أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق".
(المزمور 110/ 1-4)، فسماه
داود رباً.
كما يرى النصارى نبوءة أخرى دالة على ألوهية المسيح في
قول إشعيا "لكن يعطيكم
السيد نفسه آية.ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل" (إشعيا 7/14).
ويرون تحققه بالمسيح كما بشر الملاك يوسف النجار خطيب مريم "فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع، لأنه
يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا
العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا" (متى
1/18-23)، فتسميته الله
معنا دليل عند النصارى على ألوهيته.
ومثله جاء في النص الجديد قول بولس : "المسيح حسب الجسد الكائن على الكل
إلهاً مباركاً إلى الأبد" (رومية9/5) ومثله قول توما
للمسيح: "ربي وإلهي
" (يوحنا 20/28)، كما قال
بطرس له: "حاشاك يا رب"
(متى 16/22)، وقال أيضاً: "هذا هو رب الكل" (أعمال
10/36)، وجاء في سفر الرؤيا
عن المسيح: " وله على ثوبه
وعلى فخذه اسم مكتوب : ملك الملوك ورب الأرباب" (الرؤيا 17/14)
وغير ذلك من النصوص مما أطلق على المسيح كلمة رب أو إله، فدل ذلك عندهم على ألوهيته
وربوبيته.
الأسماء لا تفيد ألوهية
أصحابها
لكن هذه
الإطلاقات ما كان لها أن تجعل من المسيح رباً وإلهاً، إذ كثير منها ورد في باب
التسمية، وتسمية المخلوق إلهاً لا تجعله كذلك.
فقد سمي
بولس وبرنابا آلهة لما أتيا ببعض المعجزات
" فالجموع لما رأوا ما فعله بولس
رفعوا أصواتهم قائلين: إن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا." (أعمال 14/11)،
فقد كان من عادة الرومان تسمية من يفعل شيئاً فيه نفع للشعب :إلهاً، ولا تغير
التسمية في الحقيقة شيئاً , ولا تجعل من المخلوق إلهاً، ولا من
العبد الفاني رباً وإلهاً.
وقد سمي إسماعيل باسمه العبراني معناه: "الله يسمع"، ومثله يهوياقيم أي: "الله
يرفع"، ويهوشع "الرب خلص"، وغيرهم … ولم تقتض أسماؤهم ألوهيتَهم.
وجاء في سفر الرؤيا: "من
يغلب فسأجعله في هيكل إلهي، ولا يعود يخرج إلى خارج، وأكتب عليه اسم إلهي واسم
مدينة إلهي- أورشليم الجديدة -النازلة من السماء من عند إلهي واسمي الجديد" (الرؤيا
3/12)، وجاء في التوراة: "فيجعلون اسمي على بني
إسرائيل" (العدد 6/27)
ومع ذلك فليسوا آلهة.
فكما أطلق إرمياء على المسيح "الرب برنا" (إرمياء23/6)
أطلقه أيضاً على أورشليم في (إرمياء 33/14-16)،
وسماها حزقيال: "يهوشمة"
(حزقيال 48/35)،
وهي كلمة عبرانية معناها:"الرب برنا"، وترجمها قاموس الكتاب المقدس:"الرب هناك". (
قاموس الكتاب المقدس، لمجموعة من العلماء اللاهوتيين، ص1097)
هل سمي المسيح الرب والإله
؟
لا يسلم
المسلمون بصحة صدور كثير من تلك العبارات الصريحة التي يزعم العهد الجديد أنها صدرت
من التلاميذ، فقد كانت محلاً للتحريف المقصود كما وقع في ( يوحنا
(1) 5/7-8 )
، كما قد يقع التحريف بسبب سوء الترجمة وعدم دقتها، فكلمة "الرب" التي ترد
كثيراً في التراجم العربية كلقب للمسيح هي في التراجم الأجنبية بمعنى: "السيد" أو
"المعلم"، فالمقابل لها في الترجمة الإنجليزية هو: lord، ومعناها: السيد، وفي
الفرنسية : "le mait "، ومعناها: المعلم، وهكذا في سائر التراجم كالألمانية
والإيطالية والأسبانية.
وما أتت به الترجمة العربية ليس بجديد، بل هو متفق مع طبيعة اللغة التي نطق بها
المسيح ومعاصروه فكلمة: "رب" عندهم تطلق على المعلم، وتفيد نوعاً من الاحترام
والتقدير كما قالت المرأة السامرية للمسيح: "يا رب أرى أنك نبي" (يوحنا 4/19)،
فليس المقصود من كلامها وصف المسيح بالربوبية.
وفي إنجيل يوحنا أن المسيح كان يخاطبه تلاميذه: يا رب، ومقصودهم: يا معلم، فها هي
مريم المجدلية تلتفت إليه وتقول: "ربوني الذي تفسيره: يا
معلم…وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب" (يوحنا 20/16-17).
وخاطبه اثنان من تلاميذه:
"رب الذي تفسيره: يا معلم" (يوحنا 1/38).
ولم يخطر ببال أحد من التلاميذ المعنى الاصطلاحي لكلمة الرب حين أطلقوها على
المسيح، فقد كانوا يريدون : المعلم والسيد، ولذلك شبهوه بيوحنا المعمدان حين قالوا
له: " يا رب علمنا أن نصلي
كما علم يوحنا تلاميذه". (لوقا 11/1).
وأما قول توما للمسيح "ربي وإلهي" فهو لم يقع منه في مقام الخطاب للمسيح، بل لما
رأى المسيح حياً، وقد كان يظنه ميتاً استغرب ذلك، فقال متعجباً: "ربي وإلهي" (يوحنا 20/28)،
ومما يؤكد صحة هذا الفهم أن المسيح أخبر في نفس السياق بأنه سيصعد إلى إلهه (انظر يوحنا 20/17)،
وعليه فالألوهية هنا لو أريد بها المسيح فهي مجازية غير حقيقية.
ولو فهم المسيح أنه أراد ألوهيته لما سكت المسيح عليه السلام، فقد رفض عليه السلام
حتى أن يدعى صالحاً، إذ لما ناداه بعض تلاميذه: " أيها المعلم الصالح... فقال له:
لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد، وهو الله " (متى 19/17)
فكيف يقبل أن يدعى رباً وإلهاً على الحقيقة؟
واستعمال لفظة الرب بمعنى : السيد، شائع في اللغة اليونانية، يقول ستيفن نيل: "إن
الكلمة اليونانية الأصلية التي معناها: "رب" يمكن استعمالها كصيغة للتأدب في
المخاطبة، فسجان فلبي يخاطب بولس وسيلة بكلمة: "سيدي" أو "رب"، يقول سفر الأعمال:
" أخرجهما
وقال: يا سيدي ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص. فقالا: آمن بالرب يسوع المسيح، فتخلص
أنت وأهل بيتك" (أعمال 16/30)…
وكانت اللفظة لقباً من ألقاب الكرامة… ".
وبخصوص الاستدلال بالمزمور
" قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً
لقدميك". (المزمور 110/ 1)،
فهو لا يراد به المسيح بحال من الأحوال، بل المراد هو المسيح المنتظر، الذي وعد به
بنو إسرائيل، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد أخطأ بطرس حين فهم أن النص يراد به المسيح، فقال: "لأن داود لم يصعد إلى السموات.
وهو نفسه يقول: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فليعلم
يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً،
فلما سمعوا نخسوا في قلوبهم" (أعمال 2/29-37).
ودليل الخطأ في فهم بطرس، وكذا فهم النصارى، أن المسيح أنكر أن يكون هو المسيح
الموعود على لسان داود،
"فيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلاً: ماذا تظنون في المسيح (أي الذي
تنتظره اليهود)، ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود. قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح
رباً قائلاً: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان
داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة. ومن ذلك اليوم لم
يجسر أحد أن يسأله بتة" (متى 22/41-46).
فالمسيح سأل اليهود عن المسيح المنتظر الذي بشر به داود وغيره من الأنبياء، "ماذا تظنون في المسيح، ابن من
هو؟" فأجابوه: "ابن داود"، فخطأهم وقال: " فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه
"، وفي مرقس: " كيف يقول الكتبة أن المسيح ابن داود؟ لأن داود نفسه قال بالروح
القدس: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فداود نفسه
يدعوه رباً. فمن أين هو ابنه؟! " (مرقس 12/37).
وهو ما ذكره لوقا أيضاً "
وقال لهم: كيف يقولون أن المسيح ابن داود. وداود نفسه يقول في كتاب المزامير: قال
الرب لربي: اجلس عن يميني، حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإذا داود يدعوه رباً
فكيف يكون ابنه". (لوقا 20/40-44).
وبخصوص ما جاء في إشعيا من التنبؤ بعمانوئيل، فهي ليست عن المسيح، الذي لم يتسم
بهذا الاسم أبداً، ولم ينادَ به إطلاقاً.
والقصة في سفر إشعيا تتحدث عن قصة قد حصلت قبل المسيح بقرون، فقد جعل الله من ميلاد
عمانوئيل علامة على زوال الشر عن بني إسرائيل في عهد الملك آحاز، وخراب مملكة راصين
يقول إشعيا: " ثم عاد الرب
فكلم آحاز قائلاً:.. ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابناً،
وتدعو اسمه عمانوئيل. زبداً وعسلاً يأكل، متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير. لأنه
قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير، تخلى الأرض التي أنت خاش من ملكيها،
يجلب الرب عليك وعلى شعبك وعلى بيت أبيك أياماً لم تأتي منذ يوم اعتزال أفرايم عن
يهوذا أي ملك أشور.
ويكون في ذلك اليوم أن الرب يصفر للذباب الذي في أقصى ترع مصر وللنحل الذي في أرض
أشور... لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يدعو: يا أبي ويا أمي تحمل ثروة دمشق وغنيمة
السامرة قدام ملك أشور" (إشعياء 7/10-
8/4)،
فالنص يتعلق بأحداث حصلت قبل المسيح بقرون، وذلك إبان الغزو الأشوري لفلسطين.
وهذا النص الذي ذكره لوقا، وكذا النص الذي في إشعيا، قد تم تحريفهما عن الأصل
ليصبحا نبوءة عن المسيح وأمه العذراء، وكانت الترجمات القديمة للتوراة مثل ترجمة
أيكوئلا وترجمة تهيودوشن، وترجمة سميكس والتي تعود للقرن الثاني الميلادي، قد وضعت
بدلاً من العذراء : المرأة الشابة، وهو يشمل المرأة العذراء وغيرها.
ويذكر العلامة أحمد ديدات أن النسخة المنقحة (R.S.V) والصادرة عام 1952م قد استبدلت
كلمة العذراء في إشعيا بـ " الصبية "، ولكن هذا التنقيح لا يسري سوى على الترجمة
الإنجليزية.
وبخصوص نبوءة النبي إشعيا "
لأنه يولد لنا ولد، ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً
إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام، لنمو رياسته وللسلام، لا نهاية على كرسي
داود وعلى مملكته، ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد" (إشعيا9/6)،
فإن أياً من هذه الأسماء لم يتسم به المسيح، فأين سمي عجيباً أو مشيراً أو قديراً
أو أباً أو رئيس السلام، فليس في الكتاب المقدس نص يذكر أنه سمي بهذه الأسماء.
فإن قالوا المراد أن هذه صفات هذا الابن الموعود، فهي أيضاً لا تنطبق على المسيح
بحال، فهي تتحدث عن نبي غالب منتصر يملك على قومه، ويكون وارثاً لملك داود، وكل هذا
ممتنع في حق المسيح، ممتنع بدليل الواقع والنصوص.
فالمسيح لم يملك على قومه يوماً واحداً، بل كان فاراً من بني إسرائيل، خائفاً من
بطشهم، كما هرب من قومه حين أرادوه أن يملك عليهم. "وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن
يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً، انصرف أيضاً إلى الجبل وحده" (يوحنا 6/15)،
لقد هرب منهم، وذلك لأن مملكته ليست دنيوية زمانية، ليست على كرسي داود، بل هي
مملكة روحية في الآخرة
"أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي
يجاهدون لكي لا أسلّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (يوحنا 18/36).
كما أن إشعيا يتحدث عن رئيس السلام، وهو لا ينطبق على الذي نسبت إليه الأناجيل أنه
قال: " لا تظنوا أني جئت
لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً، بل سيفاً، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد
أبيه، والابنة ضد أمها، والكنّة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته " (متى 10/34 -
36)، فهل يسمى بعد ذلك رئيس
السلام؟
ثم إن إشعيا يتحدث عن قدير، وليس عن بشر محدود لا يقدر أن يصنع من نفسه شيئاً كما
قال عن نفسه: " أنا لا أقدر
أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين" (يوحنا 5/30)،
وفي نص آخر يقول لليهود:
"الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل،
لأن مهما عمل ذاك، فهذا يعمله الابن كذلك" (يوحنا 5/19).
ثم إن الكتاب المقدس يمنع أن يكون المسيح ملكاً على بني إسرائيل، فقد حرم الله
الملك على ذرية يهوياقيم أحد أجداد المسيح، فقد ملك على مملكة يهوذا، فأفسد، فقال
الله فيه: "هكذا قال الرب
عن يهوياقيم ملك يهوذا: لا يكون له جالس على كرسي داود، وتكون جثته مطروحة للحر
نهاراً وللبرد ليلاً، وأعاقبه ونسله وعبيده على إثمهم " ( إرميا 36/30 - 31 ).
والمسيح من ذرية هذا الملك الفاسق كما في سفر الأيام الأول "بنو يوشيا: البكر: يوحانان،
الثاني: يهوياقيم، الثالث: صدقيا، الرابع: شلّوم. وابنا يهوياقيم: يكنيا ابنه،
وصدقيا ابنه" (الأيام (1) 3/14-15)،
فيهوياقيم أحد أجداد المسيح.
وهو اسم أسقطه متى من نسبه للمسيح، بين يوشيا وحفيده يكنيا، فقال: " وآمون ولد يوشيا. ويوشيا ولد
يكنيا وإخوته عند سبي بابل " (متى 1/10-11).
ولا يخفى على القارئ النبيه سبب إسقاطه اسم هذا الجد من أجداد المسيح من سلسلة نسب
المسيح.
إطلاقات لفظ الألوهية
والربوبية في الكتاب المقدس
ثم لو صح الإطلاق والترجمة، فإنه ليس من
دلالة لهذه الألفاظ على ألوهية المسيح، فإطلاق كلمة الرب والإله معهود على
المخلوقات في الكتاب المقدس.
فمما ورد في كتب أهل الكتاب إطلاق لفظة "الرب" و "الإله" على الملائكة، فقد جاء في
سفر القضاة، وهو يحكي عن ظهور ملاك الرب لمنوح وزوجه:
" ولم يعد ملاك الرب يتراءى لمنوح وامرأته، حينئذ عرف منوح أنه ملاك الرب، فقال
منوح لامرأته: نموت موتاً، لأننا قد رأينا الله" (القضاة 13/21-22)
ومراده ملاك الله.
وظهر ملاك الله لسارة وبشرها بإسحاق"وقال
لها ملاك الرب…فدعت اسم الرب الذي تكلم معها: أنت إيل رئي". (التكوين 16/11-13)
فأطلقت على الملاك اسم الرب.
ومثله تسمية الملاك الذي صحب بني إسرائيل في رحلة الخروج بالرب "وكان الرب يسير أمامهم نهاراً في
عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلاً في عمود نار ليضيء لهم.... فانتقل ملاك الله
السائر أمام عسكر إسرائيل وسار وراءهم. وانتقل عمود السحاب من أمامهم، ووقف وراءهم"
(الخروج 13/21- 14/19)،
فسمى الملاك رباً.
ومما جاء في التوراة إطلاق هذه الألفاظ على الأنبياء فقد قال الله لموسى عن هارون: " وهو يكون لك فماً، وأنت
تكون له إلهاً " (انظر الخروج 4 /16).
ومنها قول الله لموسى: "
فقال الرب لموسى: انظر. أنا جعلتك إلهاً لفرعون. وهارون أخوك يكون نبيّك" ( الخروج
7/1 ) أي: مسلطاً عليه.
وقد عهد تسمية الأنبياء (الله) مجازاً أي رسل الله فقد " كان يقول الرجل عند ذهابه ليسأل
الله: هلم نذهب إلى الرائي. لأن النبي اليوم كان يدعى سابقاً الرائي"
(صموئيل(1)9/9).
وأطلقت لفظة "الله" وأريد منها القضاة، لأنهم يحكمون بشرع الله، ففي سفر الخروج "إن قال العبد…يقدمه سيده
إلى الله، ويقربه إلى الباب..." (الخروج20/5-6).
وفي السفر الذي يليه فيه
"وإن لم يوجد السارق يقدم صاحب البيت إلى الله ليحكم هل لم يمد يده إلى ملك
صاحبه…فالذي يحكم الله بذنبه يعوض صاحبه" (الخروج 22/8-9).
وفي سفر التثنية "يقف
الرجلان اللذان بينهما الخصومة أمام الرب أمام الكهنة" (التثنية 19/17).
ومثله "الله قائم في مجمع
الله، في وسط الآلهة يقضي. حتى متى تقضون جوراً وترفعون وجوه الأشرار" (المزمور
82/1)، ومقصده أشراف بني
إسرائيل وقضاتهم.
بل يمتد هذا الإطلاق ليشمل كل بني إسرائيل كما في قول داود في مزاميره: " أنا قلت: إنكم آلهة، وبنو العلي
كلكم. لكن مثل الناس تموتون" (المزمور 82/6)،
وهذا الذي استشهد به عيسى عندما قال: " أليس مكتوباً في ناموسكم: أنا
قلت إنكم آلهة. إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله. ولا يمكن أن ينقض
المكتوب. فالذي قدسه الآب، وأرسله إلى العالم أتقولون له: إنك تجدف لأني قلت: إني
ابن الله. " (يوحنا 10/34).
وتستمر الكتب في إطلاق هذه الألفاظ حتى على الشياطين، والآلهة الباطلة للأمم، فقد
سمى بولس الشيطان إلهاً، كما سمى البطن إلهاً، وأراد المعنى المجازي فقال عن
الشيطان: "إله هذا الدهر قد
أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح" (كورنثوس(2)4/5)،
وقال عن الذين يتبعون شهواتهم ونزواتهم: "الذين إلههم بطنهم، ومجدهم في
خزيهم…" (فيلبي 3/19) ومثله
ما جاء في المزامير " لأني
أنا قد عرفت أن الرب عظيم، وربنا فوق جميع الآلهة." (المزمور 135/5)،
وألوهية البطن وسواها ألوهية مجازية غير حقيقية.
وهذه لغة الكتاب المقدس في التعبير، والتي يخطئ من يصر على فهم ألفاظها حرفياً كما
يخطئ أولئك الذين يفرقون بين المتشابهات، وفي كتاب "مرشد الطالبين" : وأما اصطلاح
الكتاب المقدس فإنه ذو استعارات وافرة غامضة خاصة العهد العتيق…و اصطلاح العهد
الجديد أيضاً هو استعاري جداً، وخاصة مسامرات مخلصنا، وقد اشتهرت آراء كثيرة فاسدة
لكون بعض معلمي النصارى شرحوها شرحاً حرفياً…"
كما إن المسيح وهو يسمع بمثل هذه الاستعارات والآلهة المجازية أوضح بأن هناك إلهاً
حقيقياً واحداَ، هو الله، فقال: "الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت،
أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا 17/3)،
وهي ما تعني بوضوح: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله. وهو ما
يعتقده المسلمون فيه عليه الصلاة والسلام
ومثل تلك الاستعارات ورد في القرآن كما في قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام
لصاحبه في السجن [ اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه ] (يوسف: 42)، فمقصوده
الملك.
2- بنوة المسيح
للــه :
وتتحدث نصوص إنجيلية عن المسيح وتذكر أنه ابن الله، ويراها النصارى أدلة صريحة على
ألوهية المسيح، فهل يصح هذا الاستدلال؟
هل سمى المسيح نفسه ابن
الله ؟
أول ما يلفت
المحققون النظر إليه أنه لم يرد عن المسيح- في الأناجيل- تسميته لنفسه بابن الله
سوى مرة واحدة في يوحنا 10/37، وفيما سوى ذلك فإن الأناجيل تذكر أن معاصريه
وتلاميذه كانوا يقولون بأنه ابن الله.
لكن المحققين يشككون في صدور هذه الكلمات من المسيح أو تلاميذه، يقول سنجر في كتابه
"قاموس الإنجيل": ليس من المتيقن أن عيسى نفسه قد استخدم ذلك التعبير".
و يقول شارل جنيبر: "المسيح لم يدع قط أنه المسيح المنتظر، ولم يقل عن نفسه بأنه
ابن الله، فهذه لغة استخدموها المسيحيون فيما بعد في التعبير عن عيسى".
قال العالم كولمن بخصوص هذا اللقب: "إن الحواريين الذين تحدث عنهم أعمال الرسل
تأسَوا بمعلمهم الذي تحفظ على استخدام هذا اللقب ولم يرغب به فاستنوا بسنته" .
و يرى جنيبر أن المفهوم الخاطئ وصل إلى الإنجيل عبر الفهم غير الدقيق من المتنصرين
الوثنيين فيقول:"مفهوم "ابن الله" نبع من عالم الفكر اليوناني".
و يرى البعض أن بولس هو أول من استعمل الكلمة، وكانت حسب لغة المسيح (عبد الله)
وترجمتها اليونانية servant ، فأبدلها بالكلمة اليونانية pais بمعنى طفل أو خادم
تقرباً إلى المتنصرين الجدد من الوثنيين.
المسيح هو أيضاً ابن
الإنسان
ثم هذه النصوص
التي تصف المسيح أنه ابن الله معارضة بثلاث وثمانين نصاً من النصوص التي أطلقت على
المسيح لقب " ابن الإنسان " فلئن كانت تلك التي أسمته ابن الله دالة على ألوهيته
فإن هذه مؤكدة لبشريته، صارفة تلك الأخرى إلى المعنى المجازي.
ومنها قول متى " قال له يسوع: للثعالب أوجرة
ولطيور السماء أوكار.وأما ابن الإنسان فليس له، أين يسند رأسه." (متى 8/20)،
وأيضاً قوله: " ابن الإنسان
ماض كما هو مكتوب عنه" (مرقس 14/21)،
وقد جاء في التوراة: " ليس
الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم". (العدد 23/9) فالمسيح ليس الله.
أبناء كثر لله، فهل هم
آلهة ؟
ولفظ البنوة
الذي أطلق على المسيح
أطلق على كثيرين غيره، ولم يقتضِ ذلك ألوهيتهم.
منهم آدم الذي قيل فيه:
"آدم ابن الله" (لوقا 3/38).
وسليمان فقد جاء في سفر الأيام "هو يبني لي بيتاً …أنا أكون له
أباً، وهو يكون لي ابناً" (الأيام (1)17/12-13).
ومثله قوله لداود " أنت
ابني، أنا اليوم ولدتك " (المزمور 2/7)
كما سميت الملائكة أبناء الله "مثلَ الملائكةِ وهم أبناء الله "
(لوقا 20/36).
وسمت النصوص أيضاً آخرين أبناء الله، أو ذكرت أن الله أبوهم ، ومع ذلك لا يقول
النصارى بألوهيتهم. فالحواريون أبناء الله ، كما قال المسيح عنهم: " قولي لهم : إني أصعد إلى أبي
وأبيكم وإلهي وإلهكم " (يوحنا 20/17).
وقال للتلاميذ أيضاً: "
فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل" (متى 5/48).
وعلمهم المسيح أن يقولوا:
"فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك.. " (متى 6/9)،
وقوله :" أبوكم الذي في
السماوات يهب خيرات للذين يسألونه" (متى 6/11)،
فكان يوحنا يقول:
" انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله." (يوحنا(1) 3/1)
بل
واليهود كما في قول المسيح لليهود: "أنتم تعملون أعمال أبيكم.فقالوا
له: إننا لم نولد من زنا. لنا أب واحد، وهو الله" (يوحنا 8/41).
كما يطلق هذا الإطلاق على الشرفاء والأقوياء من غير أن يفهم منه النصارى ولا غيرهم
الألوهية الحقيقية "أن
أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات.فاتّخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا....
إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولاداً. هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ
الدهر ذوو اسم" (التكوين 6/2).
ومن الممكن أن يعم كل شعب إسرائيل "يكون عدد بني إسرائيل كرمل البحر
الذي لا يكال ولا يعدّ ويكون عوضاً عن أن يقال لهم: لستم شعبي، يقال لهم: " أبناء
الله الحي" ( هوشع 1/10).
ونحوه: " لما كان إسرائيل
غلاماً أحببته، ومن مصر دعوت ابني" (هوشع 11/1).
ومن ذلك أيضاً ما جاء في سفر الخروج عن جميع شعب " فتقول لفرعون هكذا: يقول الرب:
إسرائيل ابني البكر. فقلت لك: أطلق ابني ليعبدني فأبيت" (الخروج 4/22)
وخاطبهم داود
قائلاً:
"قدموا للرب يا أبناء الله، قدموا للرب مجداً وعزّاً" (المزمور 29/1)
ومثله
قوله: "لأنه
من في السماء يعادل الرب. من يشبه الرب بين أبناء الله" ( المزمور 89/6).
وفي سفر أيوب: "كان ذات يوم
أنه جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب "(أيوب 1/6).
وقال الإنجيل عنهم: "طوبى
لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون" (متى 5/9).
وعليه فلا يمكن النصارى أن يجعلوا من النصوص المختصة بالمسيح أدلة على ألوهيته ثم
يمنعوا إطلاق حقيقة اللفظ على آدم وسليمان و… وتخصيصهم المسيح بالمعنى الحقيقي
يحتاج إلى مرجح لا يملكونه.
معنى البنوة الصحيح
والمعنى
المقصود للبنوة في كل ما قيل عن المسيح وغيره إنما هو معنى مجازي بمعنى حبيب الله
أو مطيع الله.
لذلك قال مرقس وهو يحكي عبارة قائد المائة الذي شاهد المصلوب وهو يموت فقال:"حقاً
كان هذا الإنسان ابن الله " (مرقس 15/39).
ولما حكى لوقا القصة نفسها أبدل العبارة بمرادفها فقال:"بالحقيقة
كان هذا الإنسان باراً" (لوقا 23/47).
ومثل هذا الاستخدام وقع من يوحنا حين تحدث عن أولاد الله فقال:"وأما
كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا : أولاد الله. أي المؤمنين باسمه" (يوحنا
1/12).
ومثله يقول :"الذي يسمع
كلام الله من الله" (يوحنا 8/47).
و مثل هذه الإطلاق المجازي للبنوة معهود في الكتب المقدسة التي تحدثت عن أبناء
الشيطان، وأبناء الدهر (الدنيا)…(انظر
يوحنا 8/44، لوقا 16/8).
وأما
المعنى الحقيقي للبنوة فقد نطقت به الشياطين، فانتهرها المسيح، ففي إنجيل لوقا " كانت شياطين
أيضاً تخرج من كثيرين وهي تصرخ وتقول: أنت المسيح ابن الله. فانتهرهم ولم يدعهم
يتكلمون لأنهم عرفوه أنه المسيح". (لوقا 4/41).
بكورية المسيح بين الأبناء
لكن النصارى
يرون تميزاً مستحقاً للمسيح في بنوته عن سائر الأبناء، فهم لا ينازعون في صحة
الإطلاق المجازي عندما ترد لفظ البنوة بحق سائر المخلوقات.
لكن النـزاع إنما يكمن في تلك الأوصاف التي أطلقت على المسيح ويثبتها النصارى على
الحقيقة محتجين بأمور، منها: أنه قد جاء وصف المسيح بأنه الابن البكر أو الوحيد لله
(انظر عبرانيين1/6، يوحنا3/18)
أو أنه سمي ابن الله العلي
( انظر لوقا 1/32، 76)، أو
أنه ابن ليس مولوداً من هذا العالم كسائر الأبناء، بل هو مولود من السماء، أو من
فوق (انظر يوحنا 1/18).
ولكن ذلك كله تثبت النصوص أمثاله لأبناء آخرين.
فالبكورية وصف بها إسرائيل: " إسرائيل ابني البكر" (الخروج
4/22-23).
وكذا افرايم "لأني صرت
لإسرائيل أباً، وإفرا&