قول يوحنا : هذا هو الإلـه الحق

يستشهد النصارى بقول يوحنا في رسالته الأولى (5/20) : " وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ الإِلَهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ " ( ترجمة فاندايك )


الرد على هذه الشبهة :

أولاً دعنا نأتي بنص العبارة من أولها، حيث يلخص يوحنا رسالته الأولى بهذه الخاتمة فيقول :

" نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ. نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ اللهِ، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ. وَنَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَةً لِنَعْرِفَ الْحَقَّ. وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ الإِلَهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. أَيُّهَا الأَوْلاَدُ احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الأَصْنَامِ. آمِينَ ". ( ترجمة فاندايك )

فنقول: إن الذين يستشهدون بهذه الفقرة كنص على إلـهية المسيح، يفترضون أن الإشارة بِـ: هذا هو الإله الحق....، تعود لآخر مذكور وهو المسيح، لكن الحقيقة أن هذا مجرد تخمين و احتمال ضعيف، أما الاحتمال الأقوى بل المتعيِّن فهو رجوع الإشارة إلى هاء الضمير في كلمة ابنـه، أي إلى الله تعالى، لأن الكلام من البداية كان عن الله تعالى، و يدل عليه أيضا جملته الأخيرة: يا بَنِـيَّ احذروا الأصنام، أي أنه يقول في آخر رسالته: ليس لنا إلا إله واحد هو الله و أما بقية الآلهة فهي باطلة فاحذروها. و أقصى ما يقال هو أن ما ذكرناه إن لم يكن هو المتعين فهو بالتأكيد محتمل و مجرد احتماله يسقط استدلالهم بالآية لأنه: إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

و ليس ما ذكرناه من عدم تعين رجوع الإشارة للمسيح، شيء انفردنا به لوحدنا، بل هذا ما أشارت إليه شروح الإنجيل، فقد جاء في كتاب " تفسير الكتاب المقدس " عند شرح هذه العبارة ما نصه :

".... ثم يمضي يوحنا فيقول : هذا هو الإلـه الحق و الحياة الأبدية. و مرّة أخرى لا يكون من السهولة تبين ما إذا كان المعنِيّ هو الآب أم الابن؟ غير أنهما من التقارب بحيث يغدو الفارق ضئيلا جداً. بالنسبة إلى أقوام العالم القديم كان هناك آلهة كثيرون. بيد أن يوحنا يرى أنهم كانوا كلهم آلهة باطلة، فلا إلـه إلا إلـه واحد حق و للناس حياة أبدية فيه. "
[
كتاب " تفسير الكتاب المقدس " تأليف: جماعة من اللاهوتيين برئاسة الد. فرانسيس دافيد سن، بيروت، دار منشورات النفير، الطبعة الأولى 1988. ج 6 / ص 714.  ] .

وإليك - أخي القارىء -  رداً آخر على هذه الشبهة للاستاذ م. عمرو المصري :

القول بأن عبارة : " هَذَا هُوَ الإِلَهُ الْحَقُّ " تعود إلى المسيح فقط لأنه آخر مذكور في النص خطأ .. فالنص ذكر الله وذكر المسيح .. ولكن ما لا يعلمه النصارى ان هذه العبارة قد تشير إلى الله بنفس النسبة التي قد تشير فيها إلى المسيح ! بل ونسبة الإشارة إلى الله أكبر للقرائن العديدة! تعالوا نؤصل الموضوع لغوياً حتى نصل إلى نتيجة مرضية:

الكلمة ( هذا ) في النص اليوناني هي الكلمة ( اوتس ) وبدراسة هذه الكلمة في محتوى العهد الجديد سنجد أن الإشارة بها قد تشير إلى البعيد لا إلى القريب فتأمل الكلام! وأعطانا الكتاب المقدس بعض الأدلة ، فمثلا أعمال 7 : 17 - 19 يقول :

 7 : 17
وَكَمَا كَانَ يَقْرُبُ وَقْتُ الْمَوْعِدِ الَّذِي أَقْسَمَ اللهُ عَلَيْهِ لإِبْرَاهِيمَ كَانَ الشَّعْبُ يَنْمُو وَيَكْثُرُ فِي مِصْرَ
 7 : 18
إِلَى أَنْ قَامَ مَلِكٌ آخَرُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ.
 7 : 19
فَاحْتَالَ هَذَا عَلَى جِنْسِنَا وَأَسَاءَ إِلَى آبَائِنَا حَتَّى جَعَلُوا أَطْفَالَهُمْ مَنْبُوذِينَ لِكَيْ لاَ يَعِيشُوا
.

كلمة ( هذا ) المذكورة هنا هي الكلمة ( اوتس ) اليونانية وستجد أنها لم تشر إلى "يوسف" مع أنه آخر مذكور .. وأشارت إلى الملك الآخر وهذا مثال جيد لأن النص الذي نحن بصدده ذكر الله كثيراً وبعده المسيح ثم قال : " هذا هو الإله الحق " وبالتالي كلمة ( هذا ) قد تعود على الله لا على المسيح حسب النص اليوناني!!

ولو لم يقتنع النصارى بهذا فهناك مشكلة أكبر وهي نص 2يو 1 : 7 وهو نص مشابه جداً للنص الذي ندرسه ولنفس الكاتب حيث يقول : " لأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ إِلَى الْعَالَمِ مُضِلُّونَ كَثِيرُونَ، لاَ يَعْتَرِفُونَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ آتِياً فِي الْجَسَدِ. هَذَا هُوَ الْمُضِلُّ، وَالضِّدُّ لِلْمَسِيحِ. "

فإن أقررتم بأن المسيح هو المقصود حسب نص 1يو 5 : 20 فإن يسوع حسب هذا النص هو المضل
!!!

وبالتالي فإن اشارة نص 1يو 5 : 20 بـ "هذا" تعود إلى الله لا إلى المسيح ولفظ الله مذكور في النص أيضاً عزيزي فلا تنس أن النص فيه ابن الله وفيه ابنه والهاء عائدة على الله أي في النص ذكر مباشر لله أيضاً بعيداً عن ما سبق ذكره وتفصيله...

ولو نظرت للنصوص من منظور عام فستجد الكلام عن الله كلياً لا عن المسيح حتى في النص الذي ذكرته ستجده يذكر "ابنه" ولم يذكر الله قبلها مباشرة مما يدل على أن مضمون الكلام كله عن الله ويدل على هذا ما سبقها من نصوص صريحة
!!!

الوجه الثاني:

بدراسة النص دراسة منطقية ستجد أن الإله الحقيقي قد تعود إلى الله وقد تعود إلى المسيح وقد بينا هذا سابقاً ولكن علينا أن ندرس باقي الشواهد لنر .... فهل تعلم أن عبارة الإله الحقيقي هذه تكررت 4 مرات في الكتاب المقدس ولم يقصد بها إلا الله الآب؟ فأقرأ مثلاً :

2أخ 15/3 : " وَلإِسْرَائِيلَ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ بِلاَ إِلَهٍ حَقٍّ وَبِلاَ كَاهِنٍ مُعَلِّمٍ وَبِلاَ شَرِيعَةٍ ".

واقرأ ايضاً :

ار 10/10 : " أَمَّا الرَّبُّ الإِلَهُ فَحَقٌّ. هُوَ إِلَهٌ حَيٌّ وَمَلِكٌ أَبَدِيٌّ. مِنْ سُخْطِهِ تَرْتَعِدُ الأَرْضُ وَلاَ تَطِيقُ الأُمَمُ غَضَبَهُ " .

واقرأ ايضاً :

يو 17/3 : " وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ " .

وكلمة وحدك هنا تنهي الإشكالية ..

وأخيراً :

1تسالونيكي 1/9 : " لأَنَّهُمْ هُمْ يُخْبِرُونَ عَنَّا أَيُّ دُخُولٍ كَانَ لَنَا إِلَيْكُمْ، وَكَيْفَ رَجَعْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الأَوْثَانِ لِتَعْبُدُوا اللهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ .. " .

فكلها قيلت عن الله الآب لا الابن !! فتأمل الكلام!

فنجد أن يوحنا كاتب الرسالة هو كاتب الإنجيل فقال عن الآب : " أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ " وهذا يؤكد أن النص في 1يو 5/20 يشير إلى الله لا إلى المسيح!!!

الوجه الثالث:

بعض الشراح المؤمنين بالثالوث ما قالوا أن هذا النص دليل على ألوهية المسيح!!!
تعال لنر ماذا قال آدم كلارك مثلاً:

for as he lay in the bosom of the Father, he hath declared him unto us; and he hath besides given us a spiritual understanding, that we may know him who is true, even the True God, and get eternal life from him through his Son, In whom we are by faith

وترجمة كلامه :

" كما أنه كان في حضن الآب فقد حدثنا عنه واعطانا مفهوماً روحياً وبذلك يمكننا أن نعرف الحق الإله الحقيقي ونحصل على الحياة الأبدية من خلال ابنه "

فتأمل عزيزي إنه آدم كلارك المؤمن بالثالوث لم يشر إلى أن الكلام في نهاية العدد يشير إلى المسيح بل إلى الإله الحقيقي الآب في حين أنه يهلل لكل نص يرى فيه أن يسوع يتحدث عن لاهوته!!!

وقال ألبرت بارنس وإن كان ممن يؤمنون أنها تعود على المسيح:

There has been much difference of opinion in regard to this important passage; whether it refers to the Lord Jesus Christ, the immediate antecedent, or to a more remote antecedent - referring to God, as such.


" يوجد خلاف كبير في الرأي بين اعتبار هذه العبارة الهامة تشير إلى المسيح الأقرب ذكره أم إلى الله !! "

ونعود للقاعدة الرئيسية ما وقع فيه الاحتمال بطل به الاستدلال....

وهكذا فإن هذا النص لا يصلح للاستدلال على لاهوت يسوع .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

________________ مراجع :

الكتاب المقدس ترجمة فاندايك

كتاب الأناجيل الأربعة ورسائل بولس ويوحنا تنفي ألوهية المسيح كما ينفيها القرآن .

من مقالة للاستاذ م . عمرو المصري على النت في الرد على هذا العدد من رسالة يوحنا الاولى .