كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي

يستدل النصارى على اتحاد المسيح بالآب ، بما ورد في إنجيل يوحنا بالقولين الآتيين :

الأول : " كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهَذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ ". ( يو 16 : 15 ترجمة فاندايك )

الثاني : " وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ ". ( يو 17 : 10 ترجمة فاندايك )

 الرد :

 بالنسبة للقول الأول فإن أصله مقولة المسيح خطاباً لقومه ، هكذا :

" إِنَّ لِي أُمُوراً كَثِيرَةً أَيْضاً لأَقُولَ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الْحَقِّ فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهَذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ ". ( يو 16 : 12 - 15 )

لو توقفنا عند عبارة : " يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ " وتأملنا فيها لوجدنا أن ما للمسيح هو ما يتعلق بالدعوة والدين ونشر الكلمة والإخبار بأمور غيبية تتعلق بالدين، يقوم بذلك الروح القدس. فكل هذه هي لله ومن الله : " كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ ". وقد بينها الله للمسيح لأن كل ما عند الله في هذا الشأن هو للمسيح لأنه الرسول المبلغ لكي يؤدي مهمته على أكمل وجه.

إذن عبارة : " كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي ". يجب أن تُفهم ضمن سياقها الذي وردت فيه ، لا أن نقتطعها اقتطاعاً كما فعل النصارى لحاجة في نفوسهم .

أما بالنسبة للقول الثاني وهو : " وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ ". ( يو 17 : 10 )

فعلينا أن نقرأ أيضاً السياق الذي ورد فيه هذا القول كي يتضح لنا المعنى المراد :

" أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَالَمِ. كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي وَقَدْ حَفِظُوا كلاَمَكَ.  

 وَالآنَ عَلِمُوا أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَيْتَنِي هُوَ مِنْ عِنْدِكَ

 لأَنَّ الْكلاَمَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ

 وَهُمْ قَبِلُوا وَعَلِمُوا يَقِيناً أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكَ وَآمَنُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي.

 مِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أَسْأَلُ. لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ الْعَالَمِ بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لأَنَّهُمْ لَكَ.

 وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ.

وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ وَأَمَّا هَؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا نَحْنُ ". ( يو 17: 6 – 11 )

إنه يتحدث عن أتباعه وتلاميذه والمؤمنين به. فهؤلاء كلهم لله وهم بالتالي للمسيح أيده الله بهم كما أيد كل رسول من قبله بالمؤمنين.

لقد صلى المسيح من أجل التلاميذ مبيناً :

( أ ) في عدد 6 ونصه :

" أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَالَمِ. كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي وَقَدْ حَفِظُوا كلاَمَكَ ".

أي أنهم كانوا معينين لله في سابق علمه ، وإذ سبقت لهم السعادة في سابق العالم القديم أعطوا للمسيح من طرف الله .

( ب ) وفي عدد 9 ونصه :

" مِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أَسْأَلُ. لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ الْعَالَمِ بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لأَنَّهُمْ لَكَ ". ، فهؤلاء التلاميذ وإن كانوا منسوبين إلى المسيح إلا أنهم عباد الله ، هو اختارهم واصطفاهم للمسيح ، وإن قسموا باسم تلاميذ المسيح وحوارييه ، ويؤكد هذا التفسير العدد التالي من النص وهو عدد 10 ونصه :

" وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ " .

فكلام المسيح كله ينصب على التلاميذ والحواريين ... وإذا اتضح معنى هذا القول من المسيح فيثبت منه أن هذا الكلام لا يدل على اتحاد ولا على لاهوت في المسيح كما تزعم النصرانية.

 هذا وبالله بالتوفيق .